عبد الوهاب الشعراني
16
الأنوار القدسية في معرفة قواعد الصوفية
السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَداً » وهو أي كلام الشيخ يحتاج إلى تعقب . فاطلب يا أخي من نفسك الصدق في محبة أستاذك تنل به ما تريد ، ولا تطلب منه أن تشغل قلبه بك ، وتهمل أنت أمر نفسك فإن ذلك لا يفيد . ومن شأنه إذا كان بعيد الدار عن مكان شيخه أن يحافظ على الصلاة في زاوية شيخه ما أمكن ، وقد كان لي صاحب اسمه الشيخ أبو بكر الديريني ساكنا بجوار الجامع الأزهر فكان يصلي عندي الجمعة ويترك الجامع الأزهر ، مع كثرة جماعته ، فقلت له : صلّ في جامع الأزهر فإنه أفضل لك ، فقال : إن لي في ذلك غرض شرعي ، فكنت أتعجب من صدقه رحمه اللّه في اعتقاده . فإن لم يتيسر للمريد صلاة الجمعة عند أستاذه فليتخيله عنده في أي مسجد صلى فيه ، فإن الحكم دائر مع القلب لا مع الجسم . ومن شأنه أن يعتقد في شيخه أنه أعرف بخواطره وعيوبه الباطنة منه لكن من طريق الإلهام لا من باب سوء الظن والكشف الشيطاني . وإيضاح ذلك أن العامة لا تقيس غيرها إلا بالميزان الذي عندها في الباطن من خير وشر ، والأشياخ قد ترقت عن مثل ذلك ، فلم يكن في باطنهم شر أبدا حتى يقيسوا عليه حال غيرهم ، ولما علم اللّه احتياج المريد إلى اطلاعهم على ما في باطنه من الشرّ ليداووه بما يزيله ، أعطاهم الإلهام الصحيح بدل ذلك الميزان الذي كانوا يحملون عليه أحوال الناس ؛ فهو أعرف من المريد بأحواله ، ويؤيد ذلك أن البيطار أعرف من صاحب الدابة بعيوبها مع أن صاحبها مخالط لها ليلا نهارا ، وهذا الاعتقاد قليل في المريدين حتى كان سيدي علي بن وفا رحمه اللّه يقول وهو في عام أربع وثمانمائة : لم أجد إلى الآن مريدا صادقا معي ، يعترف لي بأني أعرف منه بخواطره ، وصفاته الباطنة ، ولو وجدته لأفرغت فيه جميع ما عندي من العلوم والأسرار . وكان رضي اللّه عنه يقول : كل الأشياخ يموتون بغصصهم ، ولا يجدون من يحمل أسرارهم ، ولكن من فاته سر أستاذه فليواظب على ورده فإن سره فيه . وكان سيدي إبراهيم الدسوقي رضي اللّه عنه يقول : يا مريدي إن صدقت معي وصح عهدك فأنا منك قريب غير بعيد ، وأنا في ذهنك ، وأنا في طرفك ، وأنا في جميع حواسك الظاهرة والباطنة ، وإن لم تصدق معي كنت منك بعيدا ، ولا تشهد أنت مني إلا البعد . وكان رضي اللّه عنه يقول : إذا صدق المريد مع شيخه ونادى شيخه من مسيرة ألف عام أجابه حيا كان الشيخ أو ميتا ، فليتوجه الصادق بقلبه إلى شيخه في كل أمر دهمه في دار الدنيا ، فإنه يسمع صوت شيخه ويغيثه مما هو فيه ؛ ومهما ورد عليه من مشكلات سره ، يطبق عينيه ، ويفتح عين قلبه ، فإنه يرى شيخه جهارا ، فإذا رآه فليسأله عما شاء وأراد .